الشنقيطي

326

أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن

وأما الخسران : فما أشد خسرانه بعد هذا الحكم عليه من اللّه تعالى . وإذا كان المعنى قد تعين بنص القرآن في الهلاك والخسران ، فما معنى إسناد التب لليدين ؟ الجواب : أن ذلك من باب إطلاق البعض وإرادة الكل كما تقدم في قوله تعالى : ناصِيَةٍ كاذِبَةٍ [ العلق : 16 ] ، مع أن الكاذب هو صاحبها . وقد قدمنا هناك أن مثل هذا الأسلوب لا بد فيه من زيادة اختصاص للجزء المنطوق في المعنى المراد . فلما كان الكذب يسوّد الوجه ويذل الناصية ، وعكسه الصدق يبيّض الوجه ويعز الناصية ، أسند هناك الكذب إلى الناصية لزيادة اختصاصها بالكذب عن اليد مثلا . ولما كان الهلاك والخسران غالبا بما تكسبه الجوارح ، واليد أشد اختصاصا في ذلك أسند إليها البت . ومما يدل على أن المراد صاحب اليدين ، ما جاء بعدها ، قوله تعالى : وَتَبَّ ، أي أبو لهب نفسه . وسواء كان قوله تعالى : تَبَّتْ يَدا أَبِي لَهَبٍ ، على سبيل الإخبار أو الإنشاء ، فإنه محتمل من حيث اللفظ . ولكن قوله تعالى بعده : وَتَبَّ ، فهو إخبار ، فيكون الأول للإنشاء كقوله : قُتِلَ الْإِنْسانُ ما أَكْفَرَهُ [ عبس : 17 ] . ثم جاء الثاني تصديقا له ، وجاءت قراءة ابن مسعود وَتَبَّ . قوله تعالى : ما أَغْنى عَنْهُ مالُهُ وَما كَسَبَ ( 2 ) [ 2 ] . سواء كانت ما استفهامية فهو استفهام إبكار ، أو كانت نافية فإنه نص ، على أن ماله لم يغن عنه شيئا . وقوله : وَما كَسَبَ . فقيل : أي من المال الأول ما ورثه أو ما كسب من عمل جرّ عليه هذا الهلاك ، وهو عداؤه لرسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم . ونظير هذه الآية المتقدمة وَما يُغْنِي عَنْهُ مالُهُ إِذا تَرَدَّى [ الليل : 11 ] .